أحمد بن محمود السيواسي
31
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
العقلاء ، قالت عائشة رضي اللّه عنها : « من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على اللّه الفرية ، فمن قال بذلك فليس من العقلاء ، فلا يلتفت إلى قوله » « 1 » ، والخلاف في رؤيته بالجارحة في الآخرة ولقد صح عن النبي عليه السّلام أنه : « سترون ربكم يوم القيامة كالقمر ليلة البدر لا تضامون فيه » « 2 » ، أي لا تشكون ( وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ) أي اللّه يحيط بها لا يفوت منها شيء بخلاف الخلق ، لأنهم لا يبصرون ما يبصره ، لأنه يبصر أبصارهم وهم لا يبصرون أبصارهم ( وَهُوَ اللَّطِيفُ ) أي الخفي الذات عن أن يدركه بصر من اللطف ، وهو في الأصل الخفاء عن العيون أو دقة النظر في الأشياء ( الْخَبِيرُ ) [ 103 ] أي العليم بكل لطيف ، فالأبصار لا تخفى « 3 » عن إدراكه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 104 ] قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) ( قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ ) هذا وارد منه على لسان النبي عليه السّلام ، جمع بصيرة ، وهي نور القلب الذي به يستبصر كما أن البصر نور العين الذي به تبصر « 4 » ، أي قل لقومك قد جاءكم « 5 » من الوحي آيات تدل على ما يجوز على اللّه وما لا يجوز وهي للقلوب كالبصائر ، يعني قد جاءكم حجج بينة ( مِنْ رَبِّكُمْ ) على صدقي في وصفه ( فَمَنْ أَبْصَرَ ) أي من عرفها وآمن بها ( فَلِنَفْسِهِ ) أي فاياها نفع ( وَمَنْ عَمِيَ ) عنها فلم يعرفها ولم يؤمن بها ( فَعَلَيْها ) أي فعلى نفسه ضر ( وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) [ 104 ] أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها ، إنما أنا منذر واللّه هو الحفيظ عليكم ، وهذا نسخ بآية السيف « 6 » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 105 ] وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 ) ( وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ ) أي مثل ذلك بالبيان نبين ( الْآياتِ ) ليعتبروا بهذا البيان ( وَلِيَقُولُوا ) حسدا ( دَرَسْتَ ) أي قرأت وتعلمت القرآن من جبر ويسار وقرئ « دارست » ، أي قارأت أهل الكتاب بأن أعنتهم وأعانوك و « دَرَسْتَ » بفتح السين وسكون التاء « 7 » ، أي قدمت هذه الآيات وعفت كأساطير الأولين لا اعتداء بها ، فاللام فيه مجاز لأجل التعليل ، لأن الآيات لم تصرف ليقولوا درست حقيقة ، فاللام فيه للعاقبة « 8 » ، وفي قوله ( وَلِنُبَيِّنَهُ ) حقيقة للتعليل ، لأن الآيات صرفت للتبيين بسببه فسيق مساقه ، والضمير فيه عائد « 9 » إلى الآيات لكونها في معنى القرآن ، أي نظهره ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [ 105 ] أي يفقهون الحق من الباطل فيسعد قوم ويشقي آخرون . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 106 ] اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) ثم أمر نبيه عليه السّلام بأن يتبع القرآن ولا يجادلهم بقوله ( اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) أي القرآن واعمل بأمره ونهيه ، نزل حين دعوه إلى دين آبائه « 10 » ، ومحل ( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) نصب على الحال ، أي منفردا أو هو اعتراض لا محل له ، ورد تأكيدا لاتباع الوحي ( وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) [ 106 ] أي لا تجادلهم فدعهم على ضلالتهم وشركهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 107 ] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) ( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا ) أي لجعلهم مؤمنين أو استأصلهم ( وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) عن الشرك فيوحدوا اللّه بالقسر ( وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) [ 107 ] أي بمسلط لأن يوحدوا إن عليك إلا البلاغ .
--> ( 1 ) رواه مسلم ، الإيمان ، 287 . ( 2 ) أخرجه البخاري ، المواقيت ، 16 ، 26 ؛ ومسلم ، المساجد ، 211 . ( 3 ) لا تخفي ، ب س : لا يخفي ، م . ( 4 ) تبصر ، ب م : يبصر ، س . ( 5 ) أي قل لقومك قد جاءكم ، ب س : - م . ( 6 ) أخذ المصنف هذا الرأي عن القرطبي ، 7 / 58 ؛ وانظر أيضا ابن الجوزي ، 32 . ( 7 ) « درست » : قرأ المكي والبصري بألف بعد الدال وسكون السين وفتح التاء ، وقرأ ابن عامر ويعقوب بغير ألف مع فتح السين وسكون التاء ، والباقون بغير ألف ، وإسكان السين وفتح التاء . البدور الزاهرة ، 108 . ( 8 ) فاللام فيه للعاقبة ، م : وهي لام العاقبة ، ب س . ( 9 ) عائد ، س : - ب م . ( 10 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 506 .